بسم الله الرحمن الرحيم
درهم نادر لأحمد بن عبد الله الخجستاني – الثائر على الدولة الصفارية - ضرب نيسابور سنة 267 هـ
بسم الله الرحمن الرحيم
نستعرض معكم اليوم درهم نادر من مجموعتي الشخصية ويحمل تصنيف R وهو لأحمد بن عبد الله الخجستاني ، الثائر على الدولة الصفارية، وهو ضرب نيسابور سنة 267 هـ.
وينتسب أحمد بن عبد الله الخجستاني إلى قرية خجستان من جبال هراة وهي من أعمال باذغيس وقد ذكر الحموي في معجم البلدان باذغيس بأنها " ناحية تشتمل على قرى من أعمال هراة ومرو الروذ".
وقد كان الخجستاني من أتباع محمد بن طاهر آخر حكام الطاهريين في خراسان قبل أن يستولي يعقوب بن الليث الصفاري على نيسابور قاعدة ملك الطاهريين معلناً انتهاء الدولة الطاهرية في سنة 259 هجرية.
ولتوضيح مسألة حكم الدولة الطاهرية نشير إلى أن الطاهريين ينتسبون إلى طاهر بن الحسين وهو القائد العباسي المعروف الذي مهد طريق الخلافة للمأمون إبان خلافه مع أخيه الأمين إذ كان قائداً للجيش الذي وصل بغداد وقتل الخليفة الأمين في سنة 198 هجرية، وخلع عليه الخليفة المأمون بعدها لقب ( ذو اليمينين ) الذي ضرب على بعض النقود العباسية منها نقود السري بن الحكم في مصر. وقد ولى المأمون طاهر بن الحسين خراسان في سنة 205 هـ ، وكان العباسيون قد بدأوا في إطلاق أيدي الولاة والعمال في النواحي، فاستقل الطاهر بالحكم في خراسان "مع بقائه اسمياً تحت سلطة العباسيين ، على أنه ولإثبات ولائه للخلافة قام باستبقاء أبنائه في بغداد ليقوموا بخدمة العباسيين". وبعد طاهر بن الحسين أصبحت الدولة الطاهرية أكثر استقلالية وتولى عدد من أبناءه الحكم بعد وفاته وأصبحت نيسابور في عهدهم مركزاً للثقافة والآداب والعلوم العربية. ولم تعمر الدولة الطاهرية كثيراً اذ استمرت بحدود 54 سنة وسقطت كما أسلفنا على يد الدولة الصفارية والتي كانت على عكس الدولة الطاهرية تعادي الخليفة العباسي وتحاربه.
(مناطق امتداد نفوذ الطاهريين والصفاريين في الدولة العباسية – المصدر : http://www.hukam.net)
نعود لأحمد بن عبد الله الخجستاني الذي أصبح بعد سقوط الدولة الطاهرية من الأعوان والمقربين ليعقوب بين الليث الصفاري وأخيه علي بن الليث. في سنة 261 هجرية خطط أحمد بن عبد الله للاستقلال عن الدولة الصفارية ووجد الفرصة مواتية عندما خرج يعقوب بن الليث من نيسابور متجهاً إلى سجستان فاستأذن من يعقوب في البقاء في خراسان فأذن له، ثم انتقض أحمد بن عبد الله على الدولة الصفارية إذ جمع لنفسه جيشاً من مائة رجل دخل بهم إلى مدينة بست نيسابور واستولى عليها وطرد عاملها من قبل الصفاريين ثم استولى على قومس وبسطام بعد ذلك.
في سنة 262 هجرية استولى أحمد بن عبد الله الخجستاني على نيسابور وأقام فيها الدعوة للطاهريين وقويت شوكته بانضمام الكثير من القادة والمحاربين لحركته ثم استولى على هراة وجرجان وغيرها من المدن القريبة. وكانت الأمور بين الخجستاني والصفاريين في أخذ ورد حيث سقطت نيسابور عاصمة الخجستاني في يد الصفاريين أكثر من مرة إلى أن استقرت الأمور في يد الخجستاني عام 267 هجرية.
ويبدو أن الخجستاني قد تاقت نفسه للملك والسلطان بعد ست سنين من الدعوة للطاهريين ، إذ أنه في نفس العام 267 هجرية قام بضرب النقود باسمه بعد أن أبطل الدعاء على المنابر لمحمد بن طاهر واكتفى بالدعاء لنفسه وللخليفة العباسي المعتمد على الله. وقد استغل الخجستاني عداء يعقوب بن الليث الصفاري مع الخليفة العباسي المعتمد وحروبه معه، فقام بكتابة اسم الخليفة العباسي على نقوده معتبرا نفسه أحد عمال الخلافة العباسية، مانحاً نفسه الشرعية السياسية ونافياً عن نفسه في الوقت ذاته صفة الخروج عن الخليفة ، على الرغم أن التاريخ يسجّل محاولته غزو العراق وهو ما أثار استغراب عدد من المؤرخين منهم السيوطي الذي ذكر في حديثه عن نقود الخجستاني ما نصه :" وضرب السكة باسمه وعلى الوجه الآخر اسم المعتمد، وهذا محل الغرابة".
وقد استمرت سيطرة الخجستاني على نيسابور والمناطق المحيطة حتى مقتله على يد غلمانه في ذي الحجة من سنة 268 هجرية لتنتهي حياة هذا الثائر بهذه الطريقة.
ولقد ذكر المؤرخ الطبري الخجستاني بضربه للدنانير والدراهم، ولكن لم يصلنا حتى الآن سوى الدراهم ولا نعلم ما تخبئ بطون الأرض من دنانيره. وضرب الخجستاني الدراهم بنيسابور سنتي 267 هـ و268 هـ، وضرب بهراة الدراهم سنة 268 هجرية وهو ما يعد دليلاً قاطعاً على استيلاء الخجستاني على هراة ولو لفترة مؤقتة وقيام بضرب النقود فيها.
وتميزت دراهم الخجستاني المضروبة في نيسابور بجودة سكها واستخدام الخط الكوفي البسيط في تنفيذ الكتابات المتسم برشاقة حروفه واستقامتها ودقة تنفيذها على عكس دراهم هراة المضروبة سنة 268 والتي اتسمت بغلظة الخط المستخدم. من الجدير بالذكر أن دراهم نيسابور وهراة ضربت على أكثر من طراز وهالدرهم أعلاه هو أحدها.
كما تميزت دراهم الخجستاني بارتفاع وزنها عن الوزن الشرعي المعتاد بالنسبة للدراهم المعتادة إذ تراوحت بعضها بين 4,5 جرام و8 جرامات ويفسر الدكتور عاطف منصور هذه المسألة بسببين :
- الأول : قيام الخجستاني باستغلال النقود عالية الوزن في الدعاية لنفسه والاطمئنان لثورته أنها لن تسبب خللاً اقتصادياً ما، كما أنها تشجع الناس على الانضمام إليه.
- الثاني: كون هذه النقود نقود ثورة وبالتالي مؤقتة بوقت حدوث الثورة وكونها لم تضرب بكميات كبيرة ولم تتداول على نطاق واسع مقارنة بنقود الدول المستقرة فقد ساعد ذلك على ارتفاع وزنها.
وبالنسبة إلى هذا الدرهم النادر، فيزن 5.07 جرام ، وقد جاءت مأثوراته كما يلي :
مركز الوجه
باليمن
لا اله الا الله
محمد رسول الله
المعتمد على الله
والسعاده
هامش الوجه : اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير
مركز الظهر:
بالنصر
الملك والقدره لله
الحول والقوه بالله
الوفي احمد بن عبدالله
والظفر
هامش الظهر الداخلي: بسم الله ضرب هذا الدرهم بنيسابور سنة سبع وستين ومائتين
هامش الظهر الخارجي: قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدو فيكم غلظة واعلموا ان الله مع المتقين
وبدراسة مأثورات الدرهم يتضح لنا التالي:
- وجود اسم الخليفة االعباسي المعتمد على الله هو كما ذكرنا إشارة من الخجستاني إلى ولاءه للدولة العباسية ودخوله في طاعة الخليفة. كما يعطي الدكتور عاطف منصور تفسيراً آخراً وهو أن وجود اسم الخليفة يعطي النقود الشرعية المطلوبة للتداول فلم يكن من المقبول التعامل بنقود لا تحمل اسم خليفة المسلمين ، وهذا السبب الذي من أجله حملت بعض نقود الصفاريين اسم الخليفة المعتمد على الرغم من عدائهم الشديد له وعلى الرغم من لعن المعتمد لهم على المنابر ولكن ذلك لم يمنعهم من نقش اسمه على النقود.
- ظهرت ولأول مرة على المسكوكات الإسلامية عبارة باليُمن والسعادة ( أعلى وأسفل وجه الدرهم ) و عبارة بالنصر والظفر ( أعلى وأسفل ظهر الدرهم ) وهي عبارة دعاء للخجستاني أن يكون عهده عهد يمن ورخاء وسعادة على شعبه وأن ينتصر على أعداءه.
- ظهر على هامش وجه الدرهم - وللمرة الأولى أيضاً على المسكوكات الإسلامية - الاقتباس من الآية الكريمة رقم 26 من سورة آل عمران (اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير) وتعبر عن تاريخ الخجستاني وبداياته إذ كان مكارياً يبيع الحمير ثم عمل مع الطاهريين ثم مع الصفاريين ثم خلع طاعتهم وأورثه الله ملكهم في نيسابور وهراة فسبحان المعز المذل. تجدر الإشارة إلى أن نفس الاقتباس القرآني ظهر بعد ذلك في نقود المغول في إيران ونقود بني نصر في غرناطة بالأندلس.
- اشتمال السطر الأول لمركز الظهر عبارة (الملك والقدره لله ) وهي استكمال لمعنى اقتباس الآية 26 من سورة آل عمران والموجود في وجه الدرهم ( اللهم مالك الملك ... )
- جاء بالسطر الثاني من مركز الظهر عبارة ( الحول والقوه بالله ) وهي عبارة تظهر للمرة الأولى في النقود الاسلامية وظهرت بعد ذلك في نقود بني حفص بتونس، وتشير الى استعانته بالله في نصرته ضد أعداءه.
- ظهرت أيضاً عبارة (الوفي احمد بن عبدالله) على ظهر الدرهم وكلمة الوفي من الوفاء وربما تشير إلى وفاء الخجستاني لذكرى الطاهريين الذين دعا لقيام دولتهم قبل أن يقطع ذلك بالدعاء لنفسه، أو الوفاء للخليفة العباسي واثبات ولائه له.
- اشتمل الإطار الخارجي لظهر الدرهم على اقتباس قرآني هو (قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدو فيكم غلظة واعلموا ان الله مع المتقين) وهو جزء من الآية الكريمة رقم 123 من سورة التوبة وهو بالمناسبة الاقتباس الوحيد لمثل هذه الآية في النقود الاسلامية، وربما يقصد بذلك أعداء الخجستاني ومن حاربهم من الصفاريين ( المعروفين بمذهب الخوارج ) والعلويين وذلك لاضفاء الشرعية على قتالهم.
ختاماً لكم جميعاً جزيل الشكر والتقدير
تحياتي
فهد السعدي
المراجع:
- ثورة أحمد بن عبد الله الخجستاني كما تظهرها النقود، ندوة الآثار الاسلامية في شرق العالم الاسلامي، الدكتور عاطف منصور.
- أضواء جديدة على نقود أحمد بن عبد الله الخجستاني، مجلة كلية الآداب بقنا، العدد التاسع 1999، الدكتور عاطف منصور.
- محمد أبو الفرج العش، النقود الاسلامية المحفوظة في متحف قطر الوطني، الجزء الأول
- تاريخ الخلفاء للسيوطي
- تاريخ الأمم والملوك للطبري
- معجم البلدان، ياقوت الحموي
- تاريخ الحكام والسلالات الحاكمة : الطاهريون/ آل طاهر في خراسان: http://www.hukam.net

