Back to blog posts

ابن محفوظ - كامل

By Fahad AlsaadiPublished: January 10, 2025

درهم نادر لأمير الغرب

موسى بن محفوظ


من المجموعة الشخصية الخاصة بـ

د. فهد محمد راشد السعدي

دبي، دولة الإمارات العربية المتحدة



بسم الله الرحمن الرحيم

من مجموعتي الشخصية، درهم نادر من نقود ممالك طوائف الموحدين في منتصف القرن السابع الهجري، وهو درهم أمير الغرب المستعين بالله موسى بن محمد بن نصير بن محفوظ.



شكل 1: درهم أمير الغرب موسى بن محفوظ، المجموعة الخاصة للأستاذ فهد السعدي

وجاء طراز هذا الدرهم على غرار النقود المربعة المميزة لتلك الفترة وما قبلها وما بعدها من العهود الإسلامية في الأندلس وشمال أفريقية. إذ ضربت الدراهم المربعة من قبل الموحدين، وممالك الطوائف في الغرب و سبتة و لورقة و أشبيلية و بلنسية، و بنو نصر في غرناطة وما حولها، و بنو هود، و بنو حفص، و من قبل المرينيين، والوطاسيين، والأشراف السعديين، والعثمانيين، بل أن بعض ممالك النصارى في الأندلس قامت بضرب الدراهم المربعة Millares تقليداً للممالك الإسلامية.

و يزن هذا الدرهم النادر 1.50 جراماً ، و تبلغ أبعاده 15x15 مم، أما مأثوراته فقد جاءت على النحو التالي:

مأثورات مركز الوجه :

الله ربنا

محمد رسولنا

العباس

امامنا

مأثورات مركز الظهر :

امير الغرب

المستعين بالله

موسى بن محمد

بن نصير بن محفوظ


و ابن محفوظ هو موسى بن محمد بن نصير بن محفوظ[1]، تغلب على المناطق الغربية من شبه الجزيرة الأيبيرية بعد سقوط حكم الموحدين في الأندلس و تسمى بأمير الغرب و تلقب بالمستعين بالله. و كان الموحدون قد حكموا الأندلس بعد تداعي سلطة المرابطين فيها في عام 541 هجرية. و بعد أن تمكنوا في الأندلس كانت بداية النهاية لهم بعد هزيمتهم في موقعة العقاب سنة 609 هجرية بقيادة السلطان الموحدي محمد الناصر ضد الحلف النصراني المشكل من قوات الملك ألفونسو الثامن ملك قشتالة، وسانتشو السابع ملك نافار، وألفونسو الثاني ملك البرتغال، وبيدرو الثاني ملك أراغون. و رغم أن حكم الموحدين لم ينتهي تماماً إلا بعد نحو خمسين سنة من تلك المعركة ، إلا أن عقد مدن الأندلس كان ينفرط بسرعة نتيجة الضعف الكبير الذي مني به الموحدون الأمر الذي أدى إلى سقوط الكثير من المدن الأندلسية بيد النصارى، و انفصال البقية الباقية عن حكم الموحدين و تحولها إلى ممالك لطوائف صغيرة[2]. فعلى سبيل المثال، استقل ابن هود بشرق وجنوب الأندلس سنة 625 هجرية، و استقل بنو الأحمر بغرناطة[3] سنة 635 هجرية ، و خلال ذلك كان السقوط المفجع لحواضر الأندلس ، فسقطت قرطبة حاضرة الحضارة الأندلسية سنة 633 هجرية، تبعتها بلنسية (636 هـ)، ثم دانية (641 هـ)، ثم جيان (643 هـ) ثم أشبيلية (646 هـ).

لذا فنتيجة لضعف الموحدين، فقد تغلب ابن محفوظ على المدن الغربية من الأندلس سنة 631 هجرية و ضم لنطاق حكمه مدناً كثيرة أهمها لبلة (Niebla ) ، و وَلْبَة (Huelva )، و طلبيرة (Talavera )، و شلطيش (Saltes)، وأجزاء من مقاطعة الغرب Algarve التي تقع اليوم في جنوب البرتغال، مثل مدينة باجة ( Beja)، و مدينة شِلْب ( Silves).

و رغم عدم ذكر مدينة أو سنة الضرب على نقود ابن محفوظ، فقد كانت مدينة لبلة عاصمة لحكم موسى بن محفوظ خلال الفترة من سنة 631 هجرية و حتى سنة 660 هجرية[4]. وجاءت مأثورات ظهر الدرهم تحمل اسم ابن محفوظ كاملاً (موسى بن محمد بن نصير بن محفوظ ) إضافة إلى لقبه (المستعين بالله) وتسميته (امير الغرب).

أما وجه الدرهم فقد حمل المأثورات المعتادة لنقود الموحدين مع فارق رئيسي هو إضافة عبارة ( العباس إمامنا) بدلاً من ( المهدي إمامنا) والتي تميزت بها نقود الموحدين و تشير للمهدي ابن تومرت. لذا فكان لاستبدال هذه العبارة دلالة كبرى على تحوّل الولاء للدولة العباسية في المشرق بدلاً من الموحدين في المغرب وذلك نتيجة عوامل الضعف التي اعترت دولة الموحدين في تلك الفترة. و هناك من الدلائل الكافية أن هذا الولاء للعباسيين لم يكن إسمياً، بل كانوا يراسلون الخليفة العباسي في بغداد وكان يقرهم على حكمهم و ينزع عليهم الالقاب. و يذكر ابن عذاري في البيان المغرب[5] أن ابن هود لما بويع له سنة 625 هجرية، تسمى بأمير المسلمين و تلقب بالمتوكل على الله وقام بمراسلة الخليفة العباسي المستنصر بالله (623 هـ - 6340 هـ) فسماه الخليفة : مجاهد الدين سيف أمير المؤمنين عبدالله المتوكل عليه أمير المسلمين. ويذكر محمد عبدالله عنان في كتاب دولة الإسلام في الأندلس[6] أن ابن هود رغب في الانضواء تحت راية الخلافة العباسية، لكي "يتشح بثوب من الشرعية في انتحال الولاية، وفي محاربة الموحدين، وهو قد أعلن أنه سوف يعمل على تحرير الأندلس من نير الموحدين، ومن عدوان النصارى معا، وسوف يعمل على إحياء الشريعة وسننها، بعدما درست في ظل الموحدين".

ومن الجدير بالذكر ان هناك أكثر من طراز لدراهم ابن محفوظ إذ نشر الأستاذ توفيق إبراهيم في مجموعته خمسة طرز مختلفة من هذا الدرهم جاء على بعضها كلمة (العباسي) بدلاً من (العباس) و في بعضها جاء الظهر في ثلاث أسطر بدلاً من أربع.

و تعد لبلة عاصمة حكم ابن محفوظ، وتلقب بالحمراء للون أسوارها. ذكر الإدريسي في نزهة المشتاق أنها " مدينة حسنة أزلية متوسطة القدر ولها سور منيع وبشرقيها نهر يأتيها من ناحية الجبل ويجاز عليه في قنطرة إلى مدينة لبلة وبها أسواق وتجارات ومنافع جمة وشرب أهلها من عيون في مرج من ناحية غربيها وبين مدينة لبلة والبحر المحيط ستة أميال".



شكل 2: موقع مدينة لبلة ضمن خريطة الأندلس (المصدر: صفحة الأندلس على الفيسبوك)

كما تحمل لبلة تاريخاً من التمرد ضد حكم السلطة المركزية في قرطبة وضد ملوك الطوائف و ضد المرابطين في ما بعد حتى خضعت لسلطان الموحدين سنة 550 هجرية. و خلال فترة حكم ابن محفوظ صمدت المدينة خلال تعرضها لعدد من الهجمات من قبل ملوك النصارى، ثم في عام 660 هجرية تعرضت لبلة لحصار من قبل الفونسو العاشر ملك قشتالة دام تسعة أشهر استطاع من خلالها السيطرة على المدينة. و يذكر ابن عذاري في البيان المغرب في اختصار أخبار الأندلس والمغرب[7] عن أحداث سنة 661 هجرية ما نصه: "وفي هذه السنة دخل الروم أبادهم الله مدينة لبلة بعد حصار عظيم وأمر جسيم، وكان صاحبها ابن محفوظ لم يدخل في الصلح المنعقد بين ابن الأحمر والروم ، بل قاطع على نفسه في العام بمال معلوم، يعطيه في يعض السنين، و في بعضها يجاهد في سبيل رب العالمين، مع جماعته بزعامته وشهامته إلى أن حاصره الروم فيها في هذا العام، فلما اشتد حاله و انقطعت آماله، أعطى البلد للنصارى و أخرج منها المسلمين أهلها، و دخلت الروم إليها، وقيل: بل كان ذلك في آخر السنة التي قبل هذه المؤرخة، ووصل ابن محفوظ الى المرتضى[8] مع جماعته، فكان بمراكش يركب معهم فيها في جملة الأجناد، كأحد رؤساء القُوّاد، إلى أن مات رحمه الله تعالى" انتهى.

ختاماً نذكر أن هذا الدرهم النادر منشور لدى ستيف ألبوم تحت رقم I410، ولدى لافوكس Lavoix تحت رقم 778 و Vives تحت رقم 2123.





المراجع:

  1. أحمد بن محمد بن عذاري المراكشي. (2013). البيان المغرب في اختصار أخبار ملوك الأندلس والمغرب، دار الغرب الإسلامي، تونس.
  2. ابن خلدون. (2000). المبتدأ والخبر في تاريخ العرب و البربر، الجزء الرابع، ص 217 ، دار الفكر، بيروت.
  3. أبو الحسن الفاسي . (1833). الأنيس المطرب روض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس، ص 183، طبعة دار الطباعة المدرسية، أوبسالة.
  4. أبي عبد الله محمد بن هانئ اللخمي السبتي. ت: الأستاذ الدكتور محمد بن معمر. (2013). رسائل ابن عميرة الديوانية والإخوانية لأبي المطرف أحمد بن عميرة المخزومي (بغية المستطرف وغنية المتطرف). دار الكتب العلمية، بيروت.
  5. تاريخ الأندلس لمؤلف مجهول. دراسة وتحقيق الأستاذ الدكتور: عبد القادر بوباية. (2007)، دار الكتب العلمية ـ بيروت.
  6. زامباور.(1988). معجم الأنساب والأسرات الحاكمة في التاريخ الإسلامي، دار الرائد العربي، بيروت.
  7. محمد عبد الله عنان. (1997). دولة الإسلام في الأندلس - العصر الثالث: عصر المرابطين والموحدين في المغرب والأندلس - القسم الثاني، ص 416، مكتبة الخانجي، القاهرة.
  8. Coins of al-Andalus Tonegawa Collection: http://www.andalustonegawa.50g.com/almohads_taifas.htm
  9. صفحة الأندلس في الفيسبوك : https://www.facebook.com/Andalusn/
  10. مدونة الأستاذ: عبدالله ناصر بجنف : مدينة لبلة وباب الثور: http://abdullahnassersalehbagnaf.blogspot.com/2017/03/blog-post_36.html

تم بحمد الله



للتواصل مع الدكتور : فهد محمد راشد السعدي:



falsaadiuae@gmail.com @FahadAlsaadi



https://www.facebook.com/FahadAlsaadi @FahadAlsaadi


https://hbmsu.academia.edu/FahadAlsaadi


[1] وجدت عدداً من المراجع تذكره باسم القاضي شعيب بن محمد بن محفوظ وأنه ثار بمدينة لبلة في سنة 632 هـ وتسمى بالمعتصم (انظر: محمد عبد الله عنان، دولة الإسلام في الأندلس - العصر الثالث: عصر المرابطين والموحدين في المغرب والأندلس - القسم الثاني. ص 416)، و ( أبو الحسن الفاسي ، الأنيس المطرب روض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس، ص 183) و المرجع الأخير ذكر أنه ثار في سنة 631 هجرية. أما ابن خلدون في تاريخه (الجزء الرابع، ص 217) فقد ذكر " .. و عندما غدر ابن الأحمر بالباجي فرّ من أشبيلية شعيب بن محمد إلى البلد فاعتصم بها، و تسمى المعتصم فحاصره ابن هود وأخذها من يده"، و يلاحظ أن ابن خلدون لم يذكر أن شعيباً المعتصم هو ذاته ابن محفوظ، كما أنه لم يذكر ثورته بلبلة وانما بالبلد أي بأشبيلية، ثم أنه يذكر ان ابن هود قضى على ثورته، على خلاف المعروف عن ابن محفوظ أنه لم يقتل على يد ابن هود ولم يتم القضاء على دويلته من قبله بل تغلب عليه النصارى في سنة 661 هجرية.

كذلك نجد بعض المراجع تذكره باسم محمد بن شعيب بن محفوظ كما ذكره الأستاذ الدكتور محمد بن معمر في تحقيقه لرسائل ابن عميرة الديوانية و الإخوانية حيث نجده في الرسالة رقم 149 (ص 345) والتي كتبها الكاتب ابن عميرة الى ابن هود يهنئه فيها بفتح مدينة لبلة وقتل الثائر بها. ورغم أن الكاتب لم يحدد اسم الثائر في رسالته وانما اكتفى بوصفه بـ"القاطع العاق" ، إلا أن المحقق شرح في تعليقه أنالثائر هو محمد بن شعيب بن محفوظ الذي فرّ من إشبيلية بعد غدر ابن الأحمر بالباجي فاعتصم في لبلة و تلقب بالمعتصم و أحال في ذلك إلى ابن خلدون في تاريخه وإلى ابن عذاري في البيان المغرب. وقد تقدمت ملاحظتنا عما ذكره ابن خلدون في تاريخه ونضيف أن ابن خلدون ذكر اسم الثائر : شعيب بن محمد وليس كما ذكره الأستاذ الدكتور محمد بن معمر: محمد بن شعيب بن محفوظ. كما إن ابن عذاري لم يسمّ ابن محفوظ باسمه الأول ولا باسم أبيه مطلقاً بل اكتفى بذكر كنيته المشهورة وهو ابن محفوظ كما أنه في أحداث سنة 661 هجرية (ج3 ص 568) ذكر صراحة أن ابن محفوظ تغلب عليه الروم وسلم المدينة في تلك السنة إلى النصارى والتحق بالمرتضى الموحدي في مراكش، وهذا لا يتفق مع تهنئة ابن عميرة ابن هود بقتل " القاطع العاق".

ولما كانت المسكوكات الإسلامية هي أبلغ شاهد على التاريخ فليس لدينا شك وبناء على الدرهم المذكور ان اسم ابن محفوظ كاملاً هو موسى بن محمد بن نصير بن محفوظ وأنه تلقب بالمستعين بالله. و يمكن التوفيق بين النصوص التاريخية في ما يتعلق بوجود ثائر في أشبيلية هو شعيب بن محمد ثار "بالبلد فاعتصم بها، و تسمى المعتصم فحاصره ابن هود وأخذها من يده" كما ذكر ابن خلدون في تاريخه، و تتفق في ذلك رسالة التهنئة التي كتبها ابن عميرة إلى ابن هود يهنئه بمقتل شعيب بن محمد ، و يبدو أن الأستاذ محمد عبد الله عنان تصور ان شعيب بن محمد هذا هو ذاته ابن محفوظ فألحق به الكنية في نهاية الاسم.

[2] ولذلك تصنف هذه الفترة في المراجع التاريخية بممالك طوائف الموحدين ، تفرقةً لها عن ممالك الطوائف الأولى التي نشأت بعد عهد الفتنة الكبرى بالأندلس عام 400 هجرية.

[3] آخر ممالك المسلمين في الأندلس و بسقوطها سنة 897 هجرية انتهى الحكم الإسلامي في الأندلس.

[4] وقيل سنة 661 هجرية كما في البيان المغرب - ج3 ص 568

[5] ج3 / ص396

[6] ج4 / ص391

[7] ج3 /ص 568

[8] المرتضى المذكور هو أبو حفص المرتضى عمر بن إبراهيم إسحاق بن يوسف بن عبد المؤمن، خليفة الموحدين بين عامي 646 و665 هـجرية.


Comments

Sign in to join the discussion Sign in.

No comments yet.